إذا صحت التقارير التي تتحدث عن طلب إيراني إلى جماعة الحوثي للاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب، فإن أهميتها لا تكمن في تنفيذ الإغلاق من عدمه، بل في الرسالة الاستراتيجية التي يحملها هذا الاحتمال. فإيران تدرك أن الحروب الحديثة لا تُدار فقط عبر الجبهات العسكرية، بل أيضًا عبر الممرات البحرية التي تربط الاقتصاد العالمي ببعضه بعضًا.
لقد أصبح باب المندب، إلى جانب مضيق هرمز، أحد أهم أدوات الضغط الجيوسياسي في الشرق الأوسط. وإذا كان هرمز يمثل بوابة صادرات الخليج النفطية، فإن باب المندب يمثل الشريان الذي يربط البحر الأحمر بقناة السويس، ومن ثم بالبحر المتوسط والأسواق الأوروبية.
لماذا باب المندب وليس هرمز فقط؟
على مدى عقود، ارتبط الحديث عن التصعيد مع إيران بإمكانية إغلاق مضيق هرمز، لكن السنوات الأخيرة أظهرت تحولًا مهمًا في التفكير الاستراتيجي.
فطهران باتت تمتلك، عبر حلفائها الإقليميين، القدرة على ممارسة ضغط غير مباشر في أكثر من نقطة اختناق بحرية، دون أن تضطر إلى مواجهة مباشرة داخل مياه الخليج.
وبهذا المعنى، فإن باب المندب يمنح إيران ورقة ردع إضافية خارج نطاقها الجغرافي المباشر، ويجعل تكلفة أي مواجهة معها تمتد إلى البحر الأحمر والملاحة الدولية.
الحوثيون.. من فاعل محلي إلى عنصر في معادلة الردع
لم تعد جماعة الحوثي تُقرأ فقط باعتبارها طرفًا في الحرب اليمنية.
فمع تطور قدراتها الصاروخية والبحرية والطائرات المسيّرة، أصبحت لاعبًا يؤثر في أمن الملاحة الدولية، ويملك القدرة على تهديد السفن التجارية والعسكرية في أحد أكثر الممرات ازدحامًا في العالم.
وهذا التحول غيّر طبيعة الصراع.
فالهجمات البحرية لم تعد مجرد امتداد للحرب اليمنية، بل أصبحت جزءًا من شبكة ردع إقليمية أوسع، تتداخل فيها حسابات إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج.
الرسالة موجهة إلى واشنطن أكثر من العالم
من الناحية الاستراتيجية، فإن التلويح بإغلاق باب المندب لا يستهدف تعطيل التجارة العالمية فقط.
بل يهدف، قبل كل شيء، إلى إيصال رسالة إلى الولايات المتحدة مفادها أن أي تصعيد ضد إيران لن يبقى داخل حدودها، وإنما ستكون له كلفة على المصالح الأمريكية وشركائها، وعلى حركة التجارة والطاقة العالمية.
إنها محاولة لتوسيع نطاق الردع بحيث يصبح القرار العسكري الأمريكي مرتبطًا بحسابات تتجاوز ساحة القتال المباشرة.
الاقتصاد العالمي هو الهدف غير المباشر
حتى لو لم يُغلق المضيق بالكامل، فإن مجرد ارتفاع احتمالات التهديد يؤدي إلى: ارتفاع تكاليف التأمين البحري، زيادة تكاليف الشحن، اضطراب سلاسل الإمداد، تأخير حركة التجارة، وضغوط إضافية على أسعار الطاقة والسلع.
وهنا تكمن المفارقة.
فالاقتصاد العالمي يتأثر أحيانًا بالخوف أكثر من تأثره بالفعل العسكري نفسه.
فالأسواق تعيد تسعير المخاطر قبل وقوعها، وليس بعدها.
هل يستطيع الحوثيون إغلاق المضيق فعليًا؟
من الناحية العسكرية، يبدو الإغلاق الكامل لمضيق باب المندب أمرًا بالغ الصعوبة.
فالممر يخضع لمراقبة بحرية دولية كثيفة، وتنتشر فيه قوات بحرية متعددة الجنسيات، كما أن الولايات المتحدة وشركاءها يمتلكون قدرات كبيرة على حماية الملاحة.
لكن الإغلاق الكامل ليس هو السيناريو الوحيد.
فالخطر الحقيقي يكمن في تعطيل الملاحة بصورة متقطعة عبر الهجمات الصاروخية أو المسيّرات أو الزوارق غير المأهولة، وهو ما يكفي لرفع مستوى المخاطر التجارية والعسكرية.
ماذا يعني ذلك لدول الخليج؟
دول الخليج تجد نفسها أمام معادلة دقيقة.
فمن جهة، تسعى إلى حماية استقرار أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
ومن جهة أخرى، تدرك أن أي توسع للصراع في البحر الأحمر ستكون له انعكاسات مباشرة على اقتصاداتها، حتى وإن لم تقع العمليات العسكرية على أراضيها.
ولهذا، قد تتجه دول المنطقة إلى تعزيز التنسيق البحري، وتكثيف التعاون مع القوى الدولية، مع استمرار الجهود الدبلوماسية لتجنب تحول البحر الأحمر إلى جبهة مفتوحة.
مركز الصراع في الشرق الأوسط.. من النفط إلى الممرات
إذا كان القرن الماضي قد جعل النفط مركز الصراع في الشرق الأوسط، فإن العقد الحالي يجعل الممرات البحرية في قلب المعادلة.
فباب المندب لم يعد مجرد مضيق يربط بحرين، بل أصبح أداة في لعبة الردع الإقليمي، ورسالة سياسية بقدر ما هو ممر تجاري.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل سيُغلق باب المندب؟
بل: إلى أي مدى يمكن استخدام التهديد بإغلاقه كورقة ضغط دون أن يتحول إلى مواجهة بحرية واسعة قد تعيد رسم خرائط الأمن والتجارة في الشرق الأوسط والعالم؟


