حين يصبح البرلمان مُشرِّعًا بالاسم فقط… هل انتقل مركز صناعة القانون في المغرب إلى الحكومة؟

0
131

في الأنظمة الديمقراطية، يُنظر إلى البرلمان باعتباره المؤسسة التي تُولد فيها القوانين بعد نقاش عمومي يعكس إرادة الأمة. غير أن هذا التصور الكلاسيكي يبدو اليوم محل مراجعة متزايدة، ليس فقط في المغرب، بل في العديد من الديمقراطيات المعاصرة التي شهدت انتقالًا تدريجيًا لمركز الثقل التشريعي نحو السلطة التنفيذية. وفي هذا السياق، تفتح ورقة بحثية حديثة حول “هيمنة الحكومة على الإنتاج التشريعي بالمغرب” نقاشًا يتجاوز حدود التقنية الدستورية ليصل إلى سؤال سياسي أعمق: من يحكم فعليًا عملية صناعة القانون؟

فالورقة، المنشورة في مجلة “دفاتر برلمانية” والمتخصصة في الدراسات الدستورية والسياسية، لا تكتفي بوصف آليات اشتغال المسطرة التشريعية، بل تقدم قراءة تعتبر أن الاختلال لا يرتبط فقط بطريقة ممارسة الحكومة لصلاحياتها، وإنما يجد جذوره في البناء الدستوري نفسه، وفي الثقافة السياسية والبرلمانية التي تشكلت خلال العقود الماضية. وتدفع هذه الخلاصة إلى إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية داخل النموذج الدستوري المغربي.

من الفصل بين السلطات… إلى إعادة توزيع النفوذ

الورقة، التي أعدها الباحث عبد العزيز الهلالي من جامعة محمد الخامس بالرباط، تنطلق من ملاحظة أساسية مفادها أن الدستور المغربي، رغم تكريسه لمبدأ الفصل بين السلط، رسم مجال القانون بشكل محدود، مقابل توسيع مجال السلطة التنظيمية التي تمارسها الحكومة. وهذا التوازن يمنح السلطة التنفيذية هامشًا واسعًا للتدخل في إنتاج القواعد القانونية، سواء عبر المراسيم التنظيمية أو مراسيم التفويض أو مراسيم الضرورة، فضلاً عن سلطتها في توجيه المسار التشريعي داخل البرلمان.

لكن القراءة العميقة لهذا الطرح تكشف أن القضية ليست مجرد توزيع تقني للاختصاصات، بل هي تحول تدريجي في مركز اتخاذ القرار. فكلما توسعت مساحة التنظيم، تقلصت عمليًا قدرة البرلمان على المبادرة، وأصبح النقاش البرلماني يتحرك داخل حدود ترسمها الحكومة مسبقًا.

البرلمان… من صانع للقانون إلى فضاء للمصادقة؟

أكثر ما يلفت الانتباه في الدراسة هو استحضارها لأطروحة أصبحت متداولة في الأدبيات الدستورية المقارنة، وهي أن البرلمانات الحديثة تحولت في كثير من الأحيان إلى مؤسسات تصادق على النصوص أكثر مما تنتجها.

هذه الفكرة لا تُطرح باعتبارها خصوصية مغربية، بل باعتبارها نتيجة لتحولات عرفتها الأنظمة البرلمانية في العالم، حيث أصبحت الحكومات، المدعومة بالأغلبية البرلمانية والانضباط الحزبي، الفاعل الرئيسي في المبادرة التشريعية، بينما تراجع الدور الإبداعي للبرلمان.

ومن هنا يبرز سؤال بالغ الحساسية: إذا كانت الحكومة هي التي تقترح، وتحدد الأولويات، وتتحكم في جدول الأعمال، وتملك وسائل الاعتراض على التعديلات، ثم تحتكر إصدار المراسيم التطبيقية، فأين يبدأ الدور الحقيقي للمؤسسة التشريعية وأين ينتهي؟

السلطة لا تتوقف عند التشريع… بل تمتد إلى التنفيذ

أحد أهم الاستنتاجات التي تبرزها الورقة يتعلق بما يحدث بعد المصادقة على القانون.

فحتى عندما ينجح البرلمان في اعتماد مقترح قانون، فإن دخوله حيز التنفيذ يظل رهينًا بإرادة الحكومة، لأن عدداً كبيراً من القوانين يحتاج إلى مراسيم تطبيقية تصدرها السلطة التنفيذية.

وهنا تظهر مفارقة دستورية وسياسية لافتة؛ إذ يمكن أن يتحول قانون صادق عليه ممثلو الأمة إلى نص معطل لسنوات إذا لم تبادر الحكومة إلى إصدار النصوص التنظيمية اللازمة لتنفيذه، في حين لا يمتلك البرلمان وسائل دستورية فعالة لإجبارها على ذلك، باستثناء أدوات الرقابة السياسية التقليدية مثل الأسئلة البرلمانية.

بين النص الدستوري والممارسة السياسية

ولا تحمل الدراسة المسؤولية للنصوص الدستورية وحدها، بل تشير أيضًا إلى ما تسميه “التنازل الإرادي” للمؤسسة التشريعية عن جزء من اختصاصاتها.

فالانضباط الحزبي، وتحول الأغلبية البرلمانية إلى امتداد سياسي للحكومة، جعلا من الرقابة البرلمانية أقل استقلالية، ومن المبادرة التشريعية الفردية أو الحزبية أقل تأثيرًا مقارنة بالمبادرات الحكومية.

وهنا تنتقل الإشكالية من المجال القانوني إلى المجال السياسي؛ لأن قوة البرلمان لا تُقاس فقط بما يمنحه الدستور من صلاحيات، وإنما أيضًا بقدرته على ممارستها باستقلالية وفعالية.

هل نحن أمام أزمة برلمان… أم أزمة توازن مؤسساتي؟

لا تدعو الورقة إلى تقليص صلاحيات الحكومة، بقدر ما تدعو إلى إعادة التفكير في التوازن بين السلط.

فالغاية ليست إضعاف السلطة التنفيذية، التي تحتاج بطبيعة الحال إلى أدوات تمكنها من تنفيذ السياسات العمومية بسرعة وفعالية، وإنما ضمان ألا يتحول هذا التفوق التنفيذي إلى هيمنة دائمة على المجال التشريعي.

وهنا يبرز السؤال المركزي الذي تطرحه التجربة المغربية، كما تطرحه تجارب ديمقراطية عديدة: كيف يمكن الجمع بين حكومة قوية قادرة على الإنجاز، وبرلمان قوي قادر على التشريع والرقابة دون أن يتحول إلى مجرد امتداد للأغلبية الحكومية؟

ما بين سطور الدراسة… الرسالة الأعمق

بعيدًا عن اللغة القانونية، تبدو الرسالة الضمنية للورقة أكثر عمقًا من مجرد توصيف لمسطرة تشريعية.

فالرهان الحقيقي لا يتعلق بعدد مشاريع القوانين التي تصدرها الحكومة، ولا بعدد النصوص التي يصادق عليها البرلمان، بل بجودة التوازن المؤسسي الذي يحكم العلاقة بين السلط.

لأن الديمقراطية لا تُقاس فقط بسرعة إنتاج القوانين، وإنما أيضًا بالطريقة التي تُنتج بها، وبمدى استقلال المؤسسة التي تصوغها، وبقدرتها على التعبير عن الإرادة الشعبية بعيدًا عن منطق الهيمنة التنفيذية.

ومن هنا، فإن النقاش الذي تفتحه هذه الدراسة لا يخص البرلمان وحده، بل يمس جوهر النموذج الدستوري المغربي ومستقبل تطور الحياة المؤسساتية، في لحظة تتزايد فيها المطالب بتعزيز النجاعة من جهة، وترسيخ التوازن بين السلط من جهة أخرى.

ويبقى السؤال الذي يتجاوز حدود هذه الورقة البحثية هو: إذا كان البرلمان هو المصدر الدستوري للتشريع، لكن الحكومة هي التي تملك أغلب مفاتيح إنتاج القانون وتفعيله، فهل يتعلق الأمر بتطور طبيعي لعمل الدولة الحديثة، أم أننا أمام اختلال مؤسساتي يستدعي مراجعة فلسفة توزيع السلطة بين المؤسسات الدستورية؟