في المشهد الرياضي المغربي، لم تعد الأزمات التي تعصف بعدد من الجامعات الرياضية مجرد خلافات داخلية بين أعضاء المكاتب المديرة أو نزاعات انتخابية عابرة، بل تحولت إلى حالة بنيوية تثير أسئلة عميقة حول مدى احترام القانون، وحدود تدخل الدولة، وطبيعة العلاقة التي تربط السلطة الحكومية الوصية بالمؤسسات الرياضية. وفي خضم هذا الجدل، جاءت التدوينة التي خص بها أحد المتابعين مدير مديرية الرياضة، الحاج العكاري، لتفتح باباً واسعاً أمام نقاش يتجاوز الأشخاص، ويضع النموذج الإداري برمته تحت مجهر المساءلة.
اللافت في الخطاب أنه يبدأ بإشادة واسعة بكفاءة الرجل ومساره المهني، مستحضراً تجربته الأكاديمية والإدارية وخبرته الطويلة داخل الوزارة، قبل أن ينقلب هذا الثناء تدريجياً إلى مدخل لطرح أسئلة ثقيلة حول واقع تدبير الشأن الرياضي. فالإشادة هنا لا تبدو غاية في حد ذاتها، وإنما تؤسس لمنطق بسيط مفاده: إذا كانت الكفاءات موجودة، والخبرة متوفرة، والمعرفة القانونية حاضرة، فلماذا تستمر الاختلالات نفسها داخل عدد من الجامعات الرياضية دون حلول جذرية؟
هذه الصيغة تكشف أن القضية ليست مرتبطة بشخص الحاج العكاري بقدر ما ترتبط بالدور الذي تؤديه مديرية الرياضة داخل المنظومة. فالكاتب يحاول، من خلال لغة هادئة ظاهرياً، أن ينقل النقاش من تقييم الأشخاص إلى تقييم المؤسسات، ومن مساءلة الأفراد إلى مساءلة السياسات العمومية في مجال الحكامة الرياضية.
وما بين سطور التدوينة، يبرز اتهام ضمني بأن مديرية الرياضة تحولت، في كثير من الأحيان، إلى جهاز لإدارة الأزمات بدل معالجتها. فالكاتب يرفض أن تقتصر مهمة أطر الوزارة على لعب دور “رجال المطافئ”، الذين لا يتدخلون إلا لإخماد الحرائق عندما تشتعل، بينما تبقى أسبابها الحقيقية قائمة دون معالجة. وهو توصيف يحمل دلالة مؤسساتية عميقة، لأنه يشير إلى وجود خلل في فلسفة التدبير نفسها، حيث تغلب المقاربة الاحترازية على المقاربة الإصلاحية.
ومن هنا ينتقل النقاش إلى جوهر الإشكال القانوني. فالكاتب يرفض اختزال سلطة الوزارة في قرار توقيف المنح المالية عن الجامعات التي لا تحترم المساطر القانونية، معتبراً أن هذا الإجراء، رغم أهميته، لا يمثل سوى حلقة واحدة ضمن منظومة من الصلاحيات التي منحها القانون للسلطة الحكومية المكلفة بالرياضة. فالمرفق الرياضي، وإن كانت الجامعات تدبره بصيغة التفويض، يبقى في النهاية جزءاً من المرفق العام، وهو ما يفرض على الدولة واجب السهر على احترام الشرعية والقانون وضمان التدبير الديمقراطي.
وفي هذه النقطة تحديداً، يوجه الكاتب نقداً مباشراً لأحد أكثر المفاهيم تداولاً داخل الحركة الرياضية، وهو مفهوم “استقلالية الجامعات”. فبعض المسؤولين الرياضيين يلجؤون إلى لوائح الاتحادات الدولية والقارية باعتبارها درعاً يمنع أي تدخل حكومي في شؤون الجامعات، غير أن الكاتب يعتبر هذا الفهم قراءة مبتورة للنصوص. فالاستقلالية، في نظره، لا تعني الإفلات من الرقابة القانونية، ولا تمنح حصانة ضد احترام التشريعات الوطنية، بل تحمي القرار الرياضي من التدخل السياسي المباشر، دون أن تعفي المؤسسات الرياضية من الخضوع للقانون.
وهنا تكمن الرسالة الأكثر حساسية في التدوينة؛ إذ ينتقل الخطاب من انتقاد الجامعات الرياضية إلى تحميل الوزارة نفسها جزءاً من المسؤولية. فحين يؤكد أن عدم الحرص على احترام القانون يمثل تقصيراً من الوزارة ومن مديرية الرياضة، فإنه يوسع دائرة المساءلة لتشمل الجهة التي يفترض أنها الضامن الأول لحسن تطبيق النصوص المنظمة للقطاع.
ولا تبدو الإشارة إلى جامعات الكاراتيه والكيك بوكسينغ والسباحة والدراجات النارية مجرد استعراض لأمثلة عشوائية، بل تحمل دلالة واضحة على أن الكاتب يتحدث عن ملفات يعرفها الرأي العام الرياضي، ارتبطت في مراحل مختلفة بخلافات حول الجموع العامة، أو نزاعات انتخابية، أو طعون قضائية، أو اتهامات بسوء الحكامة. وهو بذلك يلمح إلى أن الأزمة لم تعد تخص جامعة بعينها، وإنما أصبحت ظاهرة تتكرر في أكثر من تخصص، بما يكشف عن خلل يتجاوز الحالات الفردية إلى مستوى المنظومة.
ومن زاوية اجتماعية، فإن استمرار هذه الأزمات لا ينعكس فقط على المسؤولين داخل الجامعات، بل يطال آلاف الرياضيين والمدربين والحكام والجمعيات، الذين يجدون أنفسهم رهائن لصراعات إدارية تؤخر البطولات، وتربك برامج الإعداد، وتحرم المواهب الصاعدة من فرص التطور والمشاركة الدولية. كما أن حالة عدم الاستقرار المؤسساتي تؤثر على ثقة المستثمرين والرعاة والشركاء، بما ينعكس سلباً على الاقتصاد الرياضي وعلى قدرة الرياضة الوطنية على جذب التمويل والاستثمار.
أما على المستوى المؤسساتي، فإن التدوينة تطرح سؤالاً أكبر من مجرد تفعيل مادة قانونية أو اتخاذ قرار إداري، وهو سؤال يتعلق بطبيعة الدولة نفسها: هل تكتفي المؤسسات العمومية بدور المراقب الذي ينتظر وقوع الأزمة ثم يتدخل للحد من آثارها، أم أنها تمتلك إرادة استباقية تجعل القانون أداة لإنتاج الاستقرار قبل انفجار النزاعات؟
وفي العمق، لا تبدو هذه الرسالة موجهة إلى الحاج العكاري كشخص، بقدر ما تبدو موجهة إلى المؤسسة التي يمثلها. فالكاتب يكرر أكثر من مرة ثقته في نزاهة الرجل وكفاءته، لكنه يجعل من هذه الصفات نفسها مدخلاً للمطالبة بتحرك أكثر وضوحاً وجرأة. وكأن الرسالة الضمنية تقول إن المعرفة وحدها لا تكفي، وإن الكفاءة تصبح بلا أثر إذا ظلت حبيسة القيود الإدارية أو الحسابات السياسية.
ولعل أكثر ما يمنح هذه التدوينة بعدها السياسي هو أنها تنتهي بعبارة “يتبع…”، وهي ليست خاتمة بقدر ما هي إعلان عن مرحلة جديدة من النقاش. فالجزء الأول لم يكن سوى تمهيد يبني الأرضية الأخلاقية والقانونية، بينما ينتظر أن ينتقل الجزء الثاني إلى طرح أسئلة أكثر مباشرة، وربما إلى كشف وقائع محددة أو مساءلة مسؤولين بأسمائهم.
في النهاية، لا تطرح هذه التدوينة سؤالاً عن شخص بعينه، وإنما تضع المنظومة الرياضية المغربية أمام اختبار حقيقي: هل يكفي وجود قوانين متقدمة وكفاءات إدارية مشهود لها، أم أن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تتحول النصوص القانونية إلى ممارسة يومية، وتصبح الحكامة ثقافة مؤسساتية لا مجرد شعارات تُرفع عند اندلاع الأزمات؟ إنه سؤال لا يخص الرياضة وحدها، بل يمس فلسفة تدبير المرافق العامة، ويختبر قدرة الدولة على الموازنة بين احترام استقلالية المؤسسات وضمان خضوعها لسيادة القانون.