بعد انتهاء المعركة داخل البرلمان… هل تبدأ المعركة الحقيقية داخل مكاتب العدول؟ قراءة في قانون لم ينهِ أزمة الثقة بين الدولة والمهنة

0
136

لم يكن إنهاء المسار التشريعي للقانون المنظم لمهنة العدول نهاية لقصة امتدت سنوات، بقدر ما بدا بداية لمرحلة جديدة ستختبر فيها النصوص قدرتها على تحويل الإصلاح القانوني إلى إصلاح مؤسساتي حقيقي. فما بدا داخل البرلمان انتصارا للتشريع، لا يعني بالضرورة أنه أنهى أسباب الاحتقان داخل واحدة من أقدم المهن القانونية بالمغرب، لأن الأسئلة التي حملها العدول طوال سنوات لم تكن مرتبطة فقط بصياغة المواد القانونية، بل بطبيعة المكانة التي تريد الدولة أن تمنحها لهذه المهنة داخل منظومة العدالة.

الحكومة نجحت في إغلاق الملف من الناحية التشريعية بعد ترتيب آثار قرار المحكمة الدستورية، مستفيدة من أغلبيتها داخل المؤسستين التشريعيتين، وهو ما وفر للقانون شرعيته الدستورية والإجرائية. غير أن الشرعية القانونية لا تعني دائما تحقق الشرعية المهنية، خصوصا عندما يشعر أصحاب المهنة بأن جزءا كبيرا من مطالبهم ظل خارج النص النهائي، رغم المسار الطويل من الحوار والمذكرات والاقتراحات التي رافقت المشروع منذ سنوات.

وهنا تظهر المفارقة التي تكشفها القراءة بين السطور؛ فالدولة تبدو مقتنعة بأن تحديث المهنة يبدأ بإعادة تنظيمها وهيكلتها وضبط شروط الولوج إليها وتأهيل أجهزتها، بينما يرى العدول أن الإصلاح يبدأ من الاعتراف الكامل باستقلالهم المهني، ومنحهم الأدوات القانونية والمالية التي تجعلهم في وضع مماثل لباقي المهن القانونية، وعلى رأسها الاستفادة من آلية الإيداع لدى صندوق الإيداع والتدبير، باعتبارها ليست امتيازا ماليا، وإنما إحدى أدوات الثقة في المعاملات وتحديث خدمات التوثيق.

اللافت أن معظم ردود فعل ممثلي المهنة لم تنصب على رفض القانون في مجمله، بل على ما يعتبرونه غيابا للإصلاحات البنيوية. فهم يقرون بأن القانون حمل مقتضيات إيجابية، خصوصا في ما يتعلق بتنظيم الولوج إلى المهنة وتشبيبها وتأهيلها، لكنهم يعتبرون أن ذلك يعالج شكل المؤسسة أكثر مما يعالج موقعها داخل النظام القانوني المغربي. ومن هنا يصبح النقاش أقل ارتباطا بالسن أو شروط التكوين، وأكثر ارتباطا بمن يمتلك سلطة القرار داخل المهنة نفسها.

هذه النقطة تقود إلى واحدة من أكثر الرسائل الضمنية حضورا في الخطاب النقابي، وهي استمرار الحديث عن “الوصاية الإدارية”. فحين يتحدث ممثلو العدول عن استمرار الوصاية، فهم لا يناقشون فقط صلاحيات وزارة العدل، وإنما يناقشون الفلسفة التي تحكم علاقة الدولة بالمهن القانونية المنظمة. فهل تريد الدولة هيئات مهنية مستقلة تدبر نفسها بنفسها، أم هيئات تتمتع باستقلال محدود تحت إشراف الإدارة؟ هذا السؤال لا يخص العدول وحدهم، بل يشكل أحد أعمدة النقاش حول الحكامة المهنية في المغرب.

ومن زاوية أخرى، يكشف الجدل أن قرار المحكمة الدستورية أدى وظيفته الدستورية في ضمان سلامة البناء القانوني للنص، لكنه لم يكن معنيا بحسم النقاش المهني حول مضمون الإصلاح. فالمحكمة تنظر في مدى مطابقة القانون للدستور، بينما ينتظر المهنيون قانونا يعيد رسم توازنات السلطة داخل المهنة ويستجيب لتطلعاتهم. لذلك بدا وكأن القرار الدستوري أغلق الباب القانوني، لكنه ترك الباب السياسي والمهني مفتوحا أمام استمرار النقاش.

ولا يقل أهمية عن ذلك أن مواقف ممثلي العدول أعادت إلى الواجهة ملاحظات سبق أن أبدتها مؤسسات استشارية، وعلى رأسها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الذي دعا في أكثر من مناسبة إلى تحديث المهن القانونية في إطار رؤية شاملة تعزز النجاعة والثقة وتبسيط المساطر، مع الأخذ بعين الاعتبار التحولات الاقتصادية والرقمية التي يعرفها المجتمع المغربي. وهو ما يعكس أن النقاش لم يكن مهنيا صرفا، بل كان جزءا من ورش أكبر يتعلق بإصلاح العدالة وتحسين مناخ الاستثمار وحماية الأمن التعاقدي.

وربما تكمن الرسالة الأعمق في أن الدولة اختارت، في هذه المرحلة، تغليب منطق الاستقرار التشريعي على منطق التوافق الكامل. فقد فضلت إخراج القانون إلى الوجود بدل الإبقاء عليه رهينة استمرار الخلافات، وهو خيار قد يكون مفهوما من زاوية تدبير الزمن التشريعي، لكنه ينقل مركز الصراع من البرلمان إلى مرحلة التطبيق العملي. فالتجربة المغربية أظهرت أكثر من مرة أن نجاح القوانين لا يقاس فقط بجودة نصوصها، بل بقدرتها على إنتاج توافق مهني أثناء التنفيذ.

ومع اقتراب دخول القانون الجديد حيز التطبيق، ستتحول الأنظار من النقاش النظري إلى الواقع اليومي داخل مكاتب العدول والمحاكم والإدارات. فهناك فقط سيظهر ما إذا كانت المقتضيات الجديدة ستنجح في تحديث المهنة، وتسريع الخدمات، وتعزيز الأمن القانوني للمواطنين، أم أن الملفات المؤجلة ستعود لتفرض نفسها من جديد، وربما بصوت أعلى مما كانت عليه أثناء مناقشة القانون.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل انتهى الخلاف حول قانون مهنة العدول؟ بل أصبح: هل استطاع القانون أن يؤسس لعقد جديد من الثقة بين الدولة والعدول، أم أنه اكتفى بإغلاق الملف تشريعيا، تاركا جذور الأزمة المهنية تنتظر أول اختبار عملي يعيدها إلى الواجهة؟