بين أرقام النمو وشعور المواطنين… الجواهري يدق ناقوس “مغرب السرعتين” أمام الملك

0
194

ليس كل نمو اقتصادي يعني بالضرورة تحسناً في حياة الناس، وليست كل المؤشرات الإيجابية كافية لإقناع المواطن بأن واقعه أصبح أفضل. هذه هي الرسالة الأعمق التي حملها التقرير السنوي لبنك المغرب برسم سنة 2025، والذي قدمه والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري إلى الملك محمد السادس بالقصر الملكي بتطوان. فالحدث لم يكن مجرد تقديم تقرير مالي أو عرض أرقام الاقتصاد الكلي، بل شكل لحظة مؤسساتية تعكس مراجعة هادئة لمسار الاقتصاد المغربي، وتكشف في الوقت نفسه عن مفارقة أصبحت تفرض نفسها بقوة: اقتصاد يتحسن في المؤشرات، بينما يستمر جزء واسع من المواطنين في الشعور بأن حياتهم اليومية لم تتغير بالقدر نفسه.

اللافت في كلمة الجواهري أنها لم تكتف بعرض حصيلة سنة اقتصادية، بل وضعت الإصبع على واحدة من أكثر القضايا حساسية في المغرب المعاصر، وهي الفجوة المتزايدة بين لغة الأرقام ولغة الواقع. فحين يسجل الاقتصاد الوطني نمواً بنسبة 4.9 في المائة، ويتراجع التضخم إلى مستويات منخفضة، وتنخفض نسبة عجز الميزانية، وترتفع الاحتياطيات من العملة الصعبة، يفترض نظرياً أن ينعكس ذلك على التشغيل، والقدرة الشرائية، ومستوى العيش. غير أن استمرار البطالة عند حدود 13 في المائة، وتزايد الشعور الاجتماعي بعدم الاستفادة من ثمار النمو، يكشف أن المشكلة لم تعد في إنتاج الثروة فقط، بل في كيفية توزيعها وتحويلها إلى أثر ملموس داخل المجتمع.

وهنا تتجاوز الرسالة بعدها الاقتصادي لتدخل في عمق السؤال السياسي والاجتماعي. فحين يتحدث والي بنك المغرب عن وجود فجوة بين الأداء الاقتصادي والانطباع الشعبي، فهو لا يناقش مجرد ظاهرة إحصائية، بل يسلط الضوء على أزمة ثقة تتشكل تدريجياً بين المؤسسات والمجتمع. فالمواطن لا يقيس نجاح الاقتصاد بنسبة النمو ولا بحجم الاحتياطي النقدي، وإنما يقيسه بسعر المواد الأساسية، وفرص العمل، وقدرته على توفير السكن والتعليم والعلاج، وبالشعور اليومي بالأمن الاقتصادي داخل أسرته.

ومن هذه الزاوية، يصبح استحضار خطاب العرش لسنة 2025، الذي أكد فيه الملك محمد السادس أنه “لا مكان اليوم ولا غداً لمغرب يسير بسرعتين”، أكثر من مجرد إحالة بروتوكولية. فهو يضع التقرير داخل رؤية استراتيجية تعتبر أن أخطر تهديد للاستقرار ليس ضعف النمو، وإنما استمرار اتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية بين مناطق تستفيد من دينامية الاستثمار وأخرى لا تزال تنتظر نصيبها من التنمية، وبين فئات راكمت فرص الصعود الاقتصادي وأخرى بقيت حبيسة الهشاشة رغم تعاقب البرامج العمومية.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في التقرير هو اعترافه الضمني بأن الاستثمار، رغم ضخامته، لم يحقق بعد الأثر المنتظر على مستوى التشغيل. وهذه ملاحظة تحمل دلالات عميقة، لأنها تعني أن الاقتصاد المغربي يواجه تحدياً يتعلق بجودة النمو أكثر مما يتعلق بحجمه. فليس كل استثمار يولد مناصب شغل كافية، وليس كل مشروع كبير ينعكس مباشرة على الاقتصاد المحلي أو على فرص الشباب الباحثين عن العمل. وهنا يبرز سؤال النموذج الاقتصادي نفسه: كيف يمكن تحويل الاستثمارات الكبرى إلى محرك حقيقي للإدماج الاجتماعي، وليس فقط إلى أرقام إيجابية في الحسابات الوطنية؟

كما أن حديث الجواهري عن ضرورة منح القطاع الخاص دوراً أكبر يعكس إدراكاً بأن الدولة بلغت حدود قدرتها على قيادة التنمية منفردة. فالرهان خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط على استمرار الإنفاق العمومي، بل على خلق بيئة اقتصادية تسمح للمقاولة الوطنية بالاستثمار والإبداع والتوسع، وعلى تحرير المبادرة الاقتصادية من العراقيل التي تحد من قدرتها على خلق الثروة وفرص الشغل.

في المقابل، حمل التقرير رسائل تحذيرية لا تقل أهمية عن المؤشرات الإيجابية. فالدعوة إلى ترشيد النفقات العمومية، وتسريع إصلاح القانون التنظيمي لقانون المالية، والإقرار بحتمية إصلاح أنظمة التقاعد، تعكس أن المغرب يدخل مرحلة سيكون فيها تدبير الموارد أكثر تعقيداً. فارتفاع النفقات الاجتماعية وتزايد الالتزامات المستقبلية يفرضان إعادة ترتيب الأولويات، حتى لا تتحول الإصلاحات المؤجلة إلى أعباء مالية يصعب احتواؤها لاحقاً.

ويتجاوز التقرير الاقتصاد التقليدي نحو قضايا الأمن الاستراتيجي للدولة. فالدعوة إلى إنشاء مخزون استراتيجي من المواد الأساسية، ليست مجرد توصية تقنية، بل تعكس تحولاً في التفكير الاقتصادي بعد الأزمات العالمية المتتالية، حيث أصبح الأمن الغذائي والأمن اللوجستي جزءاً من مفهوم السيادة الوطنية. كما أن ربط الانتقال الطاقي بالتنافسية الاقتصادية، وربط أزمة المياه بحكامة الموارد، يؤكد أن الاقتصاد لم يعد منفصلاً عن البيئة والمناخ، بل أصبح نجاحه مرتبطاً بقدرته على التكيف مع التحولات العالمية الجديدة.

أما حديث والي بنك المغرب عن الجهوية المتقدمة، فيحمل بعداً تنموياً يتجاوز الإدارة الترابية. فخلق أقطاب اقتصادية جهوية ليس مجرد توزيع للاستثمارات، بل هو محاولة لإعادة رسم الخريطة الاقتصادية للمملكة، بما يقلص الفوارق بين المركز والأطراف، ويمنح كل جهة قدرة أكبر على إنتاج الثروة واستقطاب الاستثمار وخلق فرص العمل، بما يخفف الضغط على المدن الكبرى ويعيد التوازن إلى التنمية الوطنية.

وفي العمق، يكشف التقرير أن المغرب يقف أمام مرحلة انتقالية دقيقة. فهو يمتلك مؤشرات مالية ونقدية تمنحه هامشاً من الاستقرار، لكنه في المقابل يواجه تحديات اجتماعية متراكمة تتطلب أن تتحول الأرقام إلى نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية. فنجاح السياسات العمومية لن يقاس مستقبلاً فقط بنسبة النمو أو حجم الاحتياطي من العملة الصعبة، وإنما بقدرتها على تقليص البطالة، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وتوسيع الطبقة الوسطى، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

إن الرسالة التي خرجت من القصر الملكي بتطوان لا تختزل في تقرير اقتصادي سنوي، بل تؤسس لمرحلة عنوانها أن التنمية الحقيقية لم تعد تقاس بما ينتجه الاقتصاد فقط، وإنما بما يوزعه من فرص وعدالة وأمل. فحين تتطابق لغة المؤشرات مع شعور المواطنين، يصبح النمو مشروعاً مجتمعياً. أما إذا استمرت المسافة بين الأرقام والواقع، فإن أخطر ما قد يواجهه أي اقتصاد ليس تراجع المؤشرات، بل تراجع الثقة في قدرتها على تغيير حياة الناس.